العز بن عبد السلام

138

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

ضرب من الإحسان ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : " في بضع أحدكم صدقة " " 1 " ، وأي إحسان أتم من الإعفاف ، والتسبب إلى حفظ الفروج وإلى غض الأبصار ، وولادة من يوحد اللّه ويعبده ويشكره ، ويحمده ويتباهى به الأنبياء " 2 " . فهذه أنواع من جملة الإحسان المذكور في كتب الفقه ، ذكرتها ليستدل بها على ما ورائها من ضروب الإحسان خفيه وظاهره ، ودقه وجله . ومن لاحظ أن الإحسان عبارة عن جلب المنافع ودفع المضار وفق دقه وجله ، جعلنا اللّه من أهل الإحسان في الدنيا والآخرة . وأفضل الإحسان ما كان نفعا في الأديان ، وأفضله ما يرجع إلى تعريف العقائد وتفهيم المعارف ، ثم ما يتعلق بأحكام الشرع مما أوجبه وندبه إليه ، وكرهه وحرمه ، وأباحه وأطلقه . فصل في الإحسان العام وذلك بالعدل وغيره مما دق وجل ، وكثر وقل ، فلو طلبت قتل النملة والنحلة لوجدته في قوله : وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 8 ] ، وفي قوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [ البقرة : 205 ] ، فإن الفساد إخراج الشيء عما ينبغي أن يكون عليه ، ولو طلبت سقي الكلب لوجدته في قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ] ، ولو طلبت قتل الحية والعقرب لوجدته في قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ] ، فإن قتلهما إحسان إلى الناس بما يندفع به من شرهما مقدم على فساد بنيتهما لرجحانه عليه ، فإن المصالح [ إن رجحت ألغت المفاسد ] " 3 " وإن رجحت المفاسد ألغت المصالح ، ولذلك قال اللّه تعالى في الخمر والميسر : قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [ البقرة : 219 ] ، فلذلك حرّما ، إِنَّ اللَّهَ

--> ( 1 ) ما بين [ ] حرّف في المخطوط إلى ( بعض ) وهو خطأ ظاهر لما في نص الحديث صراحة . ( 2 ) رواه مسلم ( 1006 ) عن أبي ذر مرفوعا . ( 3 ) ما بين [ ] سقط من المخطوط ، وصوّب من توافق السياق .